عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

129

اللباب في علوم الكتاب

والثالث : أن يكون فاعل فعل محذوف ، أي : فليكن إمساك بمعروف . قوله : « بمعروف » و « بإحسان » في هذه الباء قولان : أحدهما : أنها متعلّقة بنفس المصدر الذي يليه ، ويكون معناها الإلصاق . والثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها صفة لما قبلها ، فتكون في محلّ رفع ، أي : فإمساك كائن بمعروف ، أو تسريح كائن بإحسان . قالوا : ويجوز في العربيّة نصب « فإمساك » و « تسريح » على المصدر ، أي : فأمسكوهنّ إمساكا بمعروف ، أو سرّحوهنّ تسريحا بإحسان ، إلّا أنّه لم يقرأ به أحد . والتّسريح : الإرسال والإطلاق ، ومنه قيل للماشية : سرح ، وناقة سرح ، أي : سهلة السّير ؛ لاسترسالها فيه . وتسريح الشّعر : تخليص بعضه من بعض ، والإمساك خلاف الإطلاق ، والمساك والمسكة اسمان منه ؛ يقال : إنّه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلا . قال الفرّاء « 1 » : يقال : إنه ليس بمساك غلمانه ، وفيه مساكة من جبر ، أي : قوّة . قال القرطبي « 2 » : وصريح الطّلاق ثلاثة ألفاظ ورد القرآن بها : وهي الطّلاق والسّراح والفراق « 3 » ، وهو قول الشّافعي .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 84 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 88 . ( 3 ) إذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ يشعر به وما قام مقامه عند العجز كإشارة الأخرس ، فاعلم أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى قسمين ؛ لأنها إما أن تحتمل الفراق بوجه ، أو لا تحتمله أصلا ، الثاني : كقومي أو اقعدي لا يقع به الطلاق وإن نواه ؛ لعدم احتمال اللفظ للفراق بوجه ، وأمّا ما يحتمل الفراق فعلى ضربين : صريح ، وهو ما لا يحتمل ظاهره غير حل عصمة النكاح وتقع به الفرقة من غير نية . وكناية ؛ وهي في الأصل الخفاء والإيماء إلى الشيء من غير تصريح ؛ ولما كانت ألفاظ الكناية فيها خفاء وإيماء إلى الطلاق سميت كناية ، والمراد بها هنا : كل لفظ احتمل الطلاق وغيره ، وتقع بها الفرقة مع النية ، ولا تقع بها من غير نية ، ولكل منها ألفاظ وللصريح ألفاظ تنقسم إلى قسمين : صريح بنفسه ، وصريح بغيره . الصريح بنفسه : هو ثلاثة : الطلاق ، والفراق ، والسراح . فيقع الطلاق بما اشتق منه إجماعا ؛ ولاشتهاره فيه لغة وشرعا ، كطلقتك ، وكذا أنت طالق ، ويكون صريحا في واحدة فقط ، وكناية في الثنتين والثلاثة . والصريح بغيره : أما الصريح بغيره ، فهو مشتق كالخلع ، وكذا لفظ المفاداة على التحقيق ، إذا وجد أحدهما مع واحد من ثلاث ، ذكر المال ، أو نيته أو إضمار قبول الزوجة ، ويقع في الكل بائنا إن قبلت ، ويلزمه في الأول المسمى ، وفي الثاني ما نواه إن اتفقت نيتهما ، وإلا فما توافقا عليه ، فإن اختلفا في النية رجع إلى مهر المثل ، ويجب في الثالثة مهر المثل قطعا ، فإن لم تقبل لم يقع شيء إن نوى التماس قبولها ، وإلا فكناية . ومن الصريح بغيره ما لو قيل له استخبارا : أطلقت زوجتك ؟ فقال نعم ، أو ما يرادفها كجير وأجل ، ويكون مقرا بالطلاق ، فإن كان صادقا طلقت ظاهرا وباطنا ، وتكون في الباطن له زوجة إن كان كاذبا ، -